آخر الأخبار

بعد صخب سبتة.. رئيس وزراء “الصخرة البريطانية” يتحدى مدريد ويخرس نخبتها السياسية “لا حبة تراب من جبل طارق لإسبانيا”

14 سبتمبر 2026
A+
A-

في العاشر من شتنبر الجاري، وقف فابيان بيكاردو، رئيس وزراء جبل طارق، أمام حشود احتفلت بالعيد الوطني للصخرة البريطانية، ليلقي واحدا من أكثر خطاباته وضوحا بشأن السيادة والهوية، وينتقد بقوة إسبانيا.

وفي آخر احتفال له بالعيد الوطني لجبل طارق قبل مغادرة رئاسة الحكومة، قال إن جبل طارق سيبقى بريطانيا، وإن الاتفاق الجديد مع الاتحاد الأوروبي لم يتضمن “أي تنازل” عن السيادة، قبل أن يختم بالتأكيد أن الصخرة “لا تنتمي لأحد سوى لنا، نحن شعب جبل طارق “، معتبرا أن أجيال جبل طارق اختارت الدفاع عن حقها في تقرير مستقبلها خلال استفتاء 1967، كما كرر عبارة سبق أن جعلها محور خطابه السياسي خلال سنوات التفاوض: “لا حبة من أرضنا، ولا قطرة من مياهنا، ولا نفسا من هوائنا”، وربط ذلك بالاتفاق الجديد الذي بدأ تطبيقه مؤقتا في يوليوز الماضي، قائلا إنه يضمن انسيابية الحدود والاستقرار الاقتصادي من دون المساس بما وصفه بـ «السيادة البريطانية الخالصة“.

وكان بيكاردو، تلقى في هذا الصدد رسالة من الملك تشارلز الثالث أشاد فيها بصلابة مجتمع جبل طارق وارتباطه بالعائلة البريطانية، فيما أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي برنهام في رسالة أخرى أن التزام لندن بسيادة بريطانيا على جبل طارق وبمبدأ تقرير المصير “راسخ”، متمسكا بقاعدة “لا شيء عن جبل طارق من دون جبل طارق“.

تصريحات فابيان بيكاردو، التي قال فيها “لا حبة من أرضنا، ولا قطرة من مياهنا، ولا نفسا من هوائنا”، يمكن آن يمسّ “السيادة البريطانية الخالصة” على الصخرة التي غطتها الصحافة الإسبانية، تمس مباشرة واحدا من أقدم النزاعات الإقليمية في السياسة الخارجية الإسبانية، لكن المثير أنها، لم تُقابل برد مباشر بارز من قيادة الحكومة أو الحزب الشعبي أو فوكس ولا بتعبئة سياسية أو شعبية أو حراك جماهيري في إسبانيا مماثلة لما حدث قبل أسابيع في ملف سبتة بعد تصريحات وزراء في الحكومة المغربية حول مغربية مدينة سبتة، ما ترتب عنه خروج مظاهرات وتعبئة حزبية وإعلامية رُفع خلالها شعار “سبتة إسبانية”، كما نظمت “أسطول تضامن” من نحو مائة قارب حمل الأعلام الإسبانية قبالة سبتة، ما يحيل على حساسية قضايا سبتة ومليلية في الداخل الإسباني وعلى ثقل الإرث التاريخي الذي تحمله النخبة السياسية والإعلامية الإسبانية في علاقتها بالمغرب وشمال إفريقيا، مع التشديد المستمر على اعتبار المدينتين جزءا من التراب الإسباني، رغم موقعهما الجغرافي في القارة الإفريقية.

غير أن النبرة نفسها تخفت بصورة واضحة عندما يتعلق الأمر بجبل طارق، الذي كان تحت السيادة الإسبانية قبل أن تستولي عليه القوات الأنغلو-هولندية سنة 1704، أثناء حرب الخلافة الإسبانية قبل أن تتنازل إسبانيا عنه وعن القلعة والميناء والتحصينات التابعة لها للتاج البريطاني بموجب المادة العاشرة من معاهدة أوترخت سنة 1713. وتقول مدريد أن البرزخ والمياه المحيطة لم تكن ضمن ما تم التنازل عنه.

ويعزي مراقبون تفسير ذلك إلى تباين ميزان القوى، فالمواجهة هنا مع بريطانيا، القوة العسكرية والنووية والعضو الدائم في مجلس الأمن، فضلا عن تشابك الملف مع الاتحاد الأوروبي ومصالح اقتصادية واجتماعية واسعة على جانبي الحدود.

وبهذا المنظور، يصبح الخطاب الإسباني أكثر براغماتية وحذرا، لأن إعادة فتح ملف السيادة على جبل طارق بمنطق التصعيد قد تضع مدريد أمام ملفات تاريخية وقانونية وسياسية ثقيلة، في وقت اختارت فيه الحكومة الإسبانية الحالية إدارة النزاع بالتفاوض والتعاون العملي بدلا من تحويله إلى مواجهة شعبية وإعلامية مفتوحة.

لكن مع ذلك، تبقى المفارقة قائمة، حيث تعلن إسبانيا رسميا أن جبل طارق قضية تتعلق بوحدتها الترابية وإنهاء وضع استعماري، بينما لا يظهر هذا الخطاب في الشارع والسياسة والإعلام بالحدة نفسها التي تظهر عندما يتعلق الأمر بسبتة.

المغرب رسخ مطالبه منذ أوائل سبعينات القرن الماضي

 سجلت أوائل سبعينيات القرن العشرين، تصاعد المطالب المغربية باستعادة سبتة ومليلية ومطالبة إسبانيا بتحرير الصحراء الكبرى وضمّها إلى المغرب، في ظل مُحاصرة المملكة بالقوات العسكرية الإسبانية بالشمال والجنوب، الأمر الذي هدد أمنها وقوّض وحدة أراضيها.

فبينما احتلت بريطانيا العظمى جبل طارق منذ عام 1704، سيطرت إسبانيا على مليلية عام 1497 بعدما احتلها الدوق خوان ألونسو بيريز دي غوزمان بمساعدة الأسطول الذي نقل كريستوفر كولومبوس لاحقًا في رحلته الثانية إلى أمريكا، فيما احتل البرتغال سبتة عام 1415 قبل خضوعها للحكم الإسباني عام 1580. وتأتي مطالبة إسبانيا بمنطقة جبل طارق الخاضعة للسيطرة البريطانية في وقت لا يزال فيه الموقف الرسمي لمدريد يعتبر جبل طارق “مستعمرة” مدرجة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي في الأمم المتحدة، ويطالب باستعادة السيادة عليه.

رسالة من إدريس السلاوي تفضح تمسك اسبانيا بالواقع الاستعماري وتناقضاته

فقد ورد في مذكرة صادرة عن وزارة الدولة للشؤون الخارجية بشأن قضية الصحراء المغربية ما يلي: “للتذكير، لا يمكن للمغرب أن يبقى محرومًا من أراضيه الصحراوية ومدينتي سبتة ومليلية”. وأضافت المذكرة أن “وجود إسبانيا في المدينتن المغربيتين يُعدّ دليلًا -إن لزم الأمر- على تمسكها بالواقع الاستعماري وتناقضاته“.

وفي العام نفسه (1974)، أرسل المندوب الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، إدريس السلاوي، رسالةً لضمان وصول المطالب المغربية بقوة إلى رئيس لجنة إنهاء الاستعمار جاء فيها:

… على الجبهة الشمالية، لا تزال إسبانيا تحتل أجزاءً من الساحل الأفريقي للبحر الأبيض المتوسط. وتُعدّ هذه المناطق آخر معاقل الاحتلال الإسباني، وتشمل سبتة ومليلية وجزيرة الحسيمة وجزر الكناري، التي يتشابه وضعها التاريخي والسياسي والقانوني مع وضع جبل طارق، وفقًا للعدد الثاني من مجلة “دفاتر الصحراء” (نوفمبر 2015)، الصادرة عن وزارة الاتصال.

ورغم التعبئة المغربية وإصرارها أعلنت إسبانيا في ظل نظام الجنرال فرانشيسكو فرانكو حشد قواتها في المدينتين.

عطفا على السياسة المغربية الرسمية، دعت صحيفة المحرر، التي كان يصدرها آنذاك الاتحاد الاشتراكي للقوى الشعبية، إلى تمثيل مغربي في كلتا المنطقتين، على غرار التمثيل الذي منحته إسبانيا لجبل طارق.

في فبراير 1976، وبعد تحرير الصحراء من الاحتلال الإسباني، أعلن الملك الحسن الثاني أن “مسألة سبتة ومليلية قد حُسمت ولا أرى أي سبب لتقييد العلاقات الإسبانية”.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *