آخر الأخبار

منح الجنسية الإسبانية لصحراويين.. 100 ألف شخص قد يستفيدون من «مرسوم التجنيس»

13 سبتمبر 2026
A+
A-

التجنيس توظيف لماضي إسبانيا الاستعماري 

أقر مجلس النواب الإسباني، يوم 10 شتنبر 2026، مشروع قانون يفتح طريقا استثنائيا لحصول الصحراويين على الجنسية الإسبانية، بتأييد 168 نائبا، مقابل 31 صوتا ضد وامتناع عدد كبير من النواب. ودعم الحزب الاشتراكي وحلفاؤه النص، بينما اختار الحزب الشعبي وحزب جونتس الكتالوني الامتناع عن التصويت، وكان فوكس الحزب الوحيد الذي عارضه صراحة. وبذلك اجتاز المشروع، الذي تقدم به “بوديموس”، ليعاد تقديمه لاحقا من طرف “سومار” العضو في الائتلاف الحكومي الإسباني، أهم محطة في مجلس النواب لينتقل وفق مسطرة استعجالية، إلى مجلس الشيوخ قبل استكمال الإجراءات اللازمة لاعتماده نهائيا.

إثبات العلاقة بالإدارة الإسبانية السابقة لن يكون مرتبطاً بوثيقة واحدة، حيث تشمل قائمة المستندات المقترحة الهوية الإسبانية القديمة، وشهادات الميلاد، ووثائق الدراسة والمعاشات والعلاج ورخص السياقة، فضلاً عن وثائق إدارية تثبت الولادة في الصحراء المغربية خلال الفترة المحددة، على أن تكون طلبات التجنيس المعنية معفاة من الرسوم، مع مهلة ثلاث سنوات لإيداعها، يمكن تمديدها لعام إضافي، بينما يتعين على وزارة العدل حسم الملفات في أجل أقصاه سنة، مع تخصيص مسار رقمي لمعالجة الطلبات.

 علما أن المحكمة العليا الإسبانية نفسها حسمت سنة 2020 مسألة هذا النقاش في إشارة ذات دلالة كبيرة، عندما قضت بأن ولادة امرأة أنجبت سنة 1973 في الصحراء وطالبت بالاعتراف لها بالجنسية الإسبانية الأصلية في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية لا تعد ولادة في إسبانيا. واستند الحكم، ضمن مرتكزاته، إلى القانون 40/1975 والمرسوم الملكي 2258/1976، وإلى الوضع الاستعماري للإقليم، وقرر بعبارة واضحة أن “من ولد في إقليم كان فيها مستعمرة إسبانية لا يعتبر مولودا في إسبانيا”. وهو ما يضع خطاب “استرجاع الحق التاريخي” أمام سؤال يصعب تجاوزه: عن أي حق في الجنسية يجري اليوم الحديث عنه إذا كان القضاء الإسباني نفسه رفض اعتبار الولادة في الصحراء إبان الإدارة الإسبانية ولادة في إسبانيا؟

 ذات المشروع يفتح للصحراويين المولودين في الصحراء قبل 29 شتنبر 1977 مسارا استثنائيا لاكتساب الجنسية الإسبانية من دون اشتراط الإقامة في إسبانيا، مع إمكانية امتداد الاستفادة إلى أبنائهم، كما يتيح لهم طلب الجنسية بعد سنتين فقط من الإقامة القانونية في إسبانيا بدل عشر سنوات في القاعدة العامة. وبذلك تتجاوز آثار المشروع تسوية أوضاع جيل ارتبط مباشرة بالمرحلة الاستعمارية، لتفتح روابط قانونية يمكن أن تمتد إلى أجيال لاحقة.

 إن حجة “الدين التاريخي” التي يستند إليها المدافعون عن القانون تضع إسبانيا أمام أسئلة محرجة. وبما أن المرابطين والموحدين حكموا، انطلاقا من المغرب، أجزاء واسعة من الأندلس لقرون، فماذا لو استدعى البرلمان المغربي بدوره هذا التاريخ وأقر قانونا يفتح مسارا ميسرا إلى الجنسية المغربية أمام الأندلسيين الإسبان الذين يثبتون أصولا مغربية وروابط تاريخية بالمغرب؟ وبأي حجة ستعترض مدريد على مبدأ يجعل الأصل والرابطة التاريخية أساسا لمعاملة استثنائية في الجنسية وهي التي سبق أن اعتمدت المنطق نفسه مع السفارديم؟

ويصبح السؤال أشد حساسية في جزر الكناري، حيث تؤكد المعطيات التاريخية والأثرية والجينية الأصول الأمازيغية لسكان جزر الكناري الأصليين المعروفين بـ ” الغوانش”، وهم قبائل أمازيغية هاجرت من شمال إفريقيا (منطقة سوس ودرعة) واستقرت في الأرخبيل قبل آلاف السنين. فكيف ستتعامل مدريد مع قانون مغربي يفتح مسارا خاصا إلى الجنسية أمام سكان الكناري الذين يثبتون أصولا أمازيغية مرتبطة بالمغرب؟

وعندها سيتجاوز النقاش حدود قانون الجنسية ليطرح مسألة أعمق تتعلق بمدى مشروعية استدعاء وقائع تعود إلى قرون وتحويلها إلى أساس قانوني لتمييز فئة بعينها من مواطني دولة أخرى ومنحها وضعا استثنائيا. وهو سؤال تطرحه إسبانيا اليوم، وقد تجد نفسها غدا في موقع من يتعين عليه الإجابة عنه.

وتعود جذور القضية إلى سنة 1976، عندما أعلنت إسبانيا رسميا أمام الأمم المتحدة، في 26 فبراير، انتهاء وجودها الاستعماري في الصحراء وتخليها عن مسؤوليتها الدولية المرتبطة بإدارة الإقليم. وبعد ذلك صدر المرسوم الملكي 2258/1976 الذي أتاح، بشروط محددة، لفئات من الصحراويين إمكانية اختيار الجنسية الإسبانية خلال أجل سنة. ويرى المدافعون عن المشروع الحالي أن ظروف الانسحاب والحرب والنزوح حالت دون استفادة عدد من المعنيين من تلك الإمكانية، وان القانون الجديد من شأنه تقديم معالجة متأخرة لما يعتبرونه” دينا تاريخيا”.

وهكذا تعود إسبانيا، بعد نصف قرن، إلى مرحلة أعلنت نهايتها أمام المجتمع الدولي، لتستنبط منها أساسا لإنشاء روابط قانونية جديدة قد تمتد آثارها إلى أجيال مقبلة في إقليم يشكل جزءا لا يتجزأ من الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

وكانت الولاية البرلمانية السابقة عرفت مبادرة مماثلة قبل أن تنتهي بانتهائها، ثم أعادت مجموعة سومار، وهي ائتلاف سياسي يضم عددا من قوى اليسار الإسباني، طرح المشروع سنة 2024. تغير خلال مساره البرلماني موقف الحزب الاشتراكي من الرفض إلى دعم النص والتصويت لصالحه.

وخلال مناقشة القانون يوم التصويت، قدمت النائبة الصحراوية تيش سيدي، المنتمية إلى ماس مدريد ضمن المجموعة البرلمانية لسومار، المبادرة باعتبارها إصلاحا لظلم تاريخي تعرض له الصحراويون على خلفية الفراغ القانوني الذي عاشوه طوال عقود، دون فصل هذا النقاش عن المغرب كي لا يخضع دعم القانون لضغط الرباط ويصبح موضع تأثير من دولة أجنبية. وهكذا اكتسب القانون، في خطاب إحدى أبرز المدافعات عنه، بعدا سياسيا يتجاوز بكثير مجرد تعديل تقني لقواعد الجنسية.

ويأتي التصويت في توقيت حساس، بعد أحداث الهجرة نحو سبتة وما أعقبها من سجال سياسي وإعلامي في إسبانيا، ليضيف ملفا جديدا إلى خلافاتهما، بعد أن قطع البلدان خلال السنوات الأخيرة شوطا مهما في إعادة بناء الثقة وتدبير نقاط الاختلاف بينهما.

وإذا كانت الجنسية رابطة قانونية بين الدولة والفرد وليست سندا للسيادة على الأرض والناس فإن تجنيس صحراويين لا يغير مغربية الصحراء ولا يمنح إسبانيا أي حق في الإقليم على خلفية وضع القانون في حجمه الحقيقي. لذلك تبقى آثار هذا القانون محصورة في مجال الجنسية وما يرتبه من حقوق والتزامات بالنسبة للمستفيدين منه، من دون أن يترتب عليه أي تغيير في الوضع الترابي للصحراء أو في السيادة المغربية عليها. خاصة وأنه يأتي في وقت تعزز فيه موقع مبادرة الحكم الذاتي ضمن المسار السياسي الدولي إلى جانب تنامي المواقف الداعمة للمقاربة المغربية، فيما تعتبرها إسبانيا نفسها، منذ 2022، الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية للحل، لذلك لن يغير القانون مسار القضية أو موازينها لكن استدعاء مدريد لماضيها الاستعماري بعد نصف قرن قد يترك صداه بصورة أوضح على العلاقات المغربية الإسبانية. فمنذ الإعلان المشترك في 7 أبريل 2022، عمل البلدان على تجاوز أزماتهما وتوسيع شراكتهما السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو التوجه الذي جددت الخارجية المغربية التأكيد عليه في بلاغها الأخير.

قانون الجنسية وتجاذبات مدريد حول الصحراء المغربية

أعاد تصويت مجلس النواب الإسباني على مشروع القانون المتعلق بتسهيل حصول آلاف الصحراويين على الجنسية الإسبانية ملف الصحراء المغربية إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني في مدريد، في وقت تحاول فيه، منذ سنوات، الموازنة بين إرثها التاريخي والتزاماتها السياسية الراهنة.

ويعكس هذا التباين استمرار الانقسام داخل المشهد السياسي الإسباني بشأن كيفية التعامل مع قضية الصحراء والإرث الاستعماري لإسبانيا، كما يبرز حضور الملف في التجاذبات الداخلية، بعيدا عن كونه قضية مرتبطة بالجنسية وحقوق الأفراد. وإذا كان مشروع القانون لا ينص، من الناحية القانونية، على تغيير الموقف الرسمي الإسباني من قضية الصحراء المغربية أو إقرار وضع سياسي جديد للمنطقة، فإن اعتماده يفتح نقاشا حول حدود استحضار الإرث الإسباني للصحراء داخل المؤسسات التشريعية في مدريد، وحول إمكانية انتقال هذا النقاش من المجال الحقوقي إلى المجال السياسي.

وعليه، تبدو أهمية القرار مرتبطة بقدرته على اختبار التوازن الدقيق الذي حكم العلاقات المغربية الإسبانية منذ إعلان 7 أبريل 2022؛ فمدريد تراهن على شراكة استراتيجية مع الرباط، تشمل الاقتصاد والأمن والهجرة، بينما تستمر داخل مؤسساتها السياسية مبادرات تستثمر في ملفات ذات حساسية بالنسبة للمغرب ، خلفية القرار لا تكمن من هذه الزاوية في الجنسية لوحدها، وإنما في السؤال حول ما إذا كان استحضار الماضي الإسباني في الصحراء سيتحول تدريجيا إلى ورقة ضمن التجاذب السياسي الداخلي الإسباني وانعكاساته على العلاقة مع الرباط.

حسابات الصافي السياسي

شدد العربي النص، خبير عسكري عضو سابق في البوليساريو، على أن المسار التشريعي للقانون لم ينته بعد، وأنه يحتاج إلى استكمال مراحل أخرى قبل دخوله حيز التنفيذ، رغم تجاوزه المرحلة الأهم داخل مجلس النواب. واستدرك قائلا إن البلاغ المغربي الصادر بالتزامن مع هذه التطورات كان، في تقديره، “متوازنا” و”عقلانيا”، وإن صدر متأخرا وفيه أن المبادرات التشريعية الإسبانية لا تخدم العلاقة بين البلدين. وأوضح أن الصحراويين، شأنهم شأن باقي المواطنين المغاربة، قد يرون في القانون فرصة للاستفادة من المزايا المرتبطة بالإقامة أو الجنسية الإسبانية، خصوصا في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدا أن ذلك “لا ينبغي أن يُقرأ تلقائيا من زاوية سياسية” . وفي هذا السياق، شدد المحلل السياسي ذاته على رفض التعامل مع الصحراويين باعتبارهم “انفصاليين مفترضين” لمجرد إمكانية استفادتهم من الجنسية الإسبانية، مسجلا أن للمواطنين الصحراويين، شأنهم شأن باقي المغاربة، الحق في الاستفادة من ازدواجية الجنسية متى استوفوا الشروط القانونية.

من جانبه، يرى السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، أن الأهم في هذه الخطوة هو ما يمكن أن تتيحه للصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف والخاضعين لسيطرة البوليساريو، التي تتحكم في بقائهم داخلها باعتبارها الجهة الوحيدة التي تمنح جوازات السفر وتتحكم في تحديد عدد تأشيرات السفر إلى إسبانيا، من إمكانية خروجهم منها وإنهاء ما وصفه بـ “وضعية اللجوء الأبدي” التي يعيشونها. معتبرا أن دخول القانون حيز التنفيذ سيتيح لكل صحراوي تتوفر فيه الشروط القانونية إمكانية مغادرة المخيمات وتخفيف المعاناة عنه.

وذكر أن هذه الخطوة “تهدد مشروع البوليساريو” لأنها قد تكشف، بحسب تقديره، حقيقة أعداد سكان المخيمات الذين ينتمون فعليا إلى الأقاليم الصحراوية، مقابل أعداد أخرى لا تنحدر من منطقة النزاع. وتابع بقوله : “إذا اعتبرنا أن ثلثي الصحراويين موجودون في الأقاليم الجنوبية، فنحن أمام أقل من 25 ألفا على الأكثر من سكان المخيمات الذين يمثلون الصحراويين الأصليين”، بينما يوجد، وفق المعطيات التي أوردها، أكثر من 150 ألف شخص في المخيمات، مستشهدا برقم 176 ألفا المنسوب إلى منظمة غوث اللاجئين، كل ذلك يمكن أن يساعد في التسريع بإيجاد حل سياسي توافقي لنزاع الصحراء على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي، مضيا أن هذه المعطيات تطرح بدورها “إشكالية أخرى” مرتبطة بتركيبة سكان المخيمات.

وأورد رحال أن البوليساريو توجد في “وضعية حرجة جدا”، رغم ما يظهر من تأييد مبطن للمشروع، لافتا إلى أن الحركة الانفصالية تواجه أزمة متزايدة، خصوصا مع ارتفاع أصوات صحراويين غير معنيين بالوثائق المرتبطة بفترة الإدارة الإسبانية، ممن يطالبونها بالبحث عن حل جذري لهذه الإشكالية.

وأجمل الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام” بالقول إن هذه الخطوة تمثل مناسبة لكي تتحمل إسبانيا، باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة، جزءا من تكاليف الحل، مشددا على ضرورة التسريع بإنهاء وجود الصحراويين الأصليين في مخيمات تندوف، في انتظار إنهاء ما وصفه بـ “اللجوء غير المبرر”، في ظل الظروف الإنسانية التي يعيشها سكان المخيمات.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *