آخر الأخبار

خروج المعرفة بمكتبات القرب بالرباط.. من الجدران المغلقة إلى أحضان الطبيعة

7 سبتمبر 2026
A+
A-

اعدته أمال أبو جمعة

تحول مكتبات القرب.. من أماكن النزهة والترفيه إلى فضاء للقراءة

وسط عاصمة الأنوار الرباط، داخل حديقة “نزهة حسان” تحديدا، إحدى أعرق وأقدم المساحات الخضراء بالمدينة، أشجار وارفة ونسمات الهواء النقي، مساحة هدوء تغري بهواية القراءة ومتنفس يجمع بين متعة المطالعة والترويح عن النفس بين أحضان الطبيعة..

هيكل خشبي أنيق تحيط به كراس وطاولات مريحة، لم يكن هذا المشهد سوى “مكتبة القرب” التي افتتحت الشهر الماضي ضمن فعاليات “الرباط: عاصمة عالمية للكتاب عام 2026“.

رفوف تحتضن عناوين متنوعة ومغرية تنتظر من يقلب صفحاتها، من كتب فكرية وروايات بالعربية والفرنسية والإنجليزية إلى قصص أطفال وموسوعات علمية.

تفاعل عفوي ومعرفة متاحة

فكرة ذات المبادرة تعتبر رسالة ذكية، ” وجود كتاب في فضاء مخصص للنزهة إنما هو تشجيع عفوي على القراءة وجعلها سلوكا يوميا دون تكلف، خاصة وأن مرافقة الكتب في لحظات الاستمتاع بخضرة الطبيعة يعني أن القراءة لم تعد فعلا محصورا بين الجدران المغلقة في البيوت والمكتبات التقليدية والمقاهي، بل تعدت ذلك لتكون رفيقة حقيقية للشباب في كل مكان “.

التبرع بعدد من الكتب لدعم هذه التجربة الثقافية غير متاح، الضوابط التنظيمية للمشروع لا تسمح بذلك..

“الكتب ترافق الزوار في قلب الطبيعة.. متعة القراءة تتحول إلى سلوك يومي عريض في الفضاءات المفتوحة

تجلس إيمان بنعيسى، المشرفة على مكتبة حديقة حسان، أمام دفتر كبير لتجيب على استفسارات الزائرين بصبر وبشاشة، شابان عابران يستفسران عن عناوين محددة، وشابة تبحث عن كتاب تبدأ به تجربتها الأولى في القراءة في الهواء الطلق.

ترد إيمان مؤكدة أن الكتب المخصصة للمطالعة مجانية، “اختر الكتاب الذي تريد، يمكنك أخذه والجلوس على أحد الكراسي المحيطة لقراءته وإعادته فور انتهائك، سأسجل اسمك ورقم بطاقتك الوطنية وعنوان الكتاب “. وزادت بقولها: زوار الحديقة الدائمين أضحوا يقصدون المكتبة يوميا لإتمام قراءة كتاب يضعون علامة عند الصفحة التي توقفوا فيها، قبل أن يعودوا في اليوم الموالي لإكمال متعتهم.

مكتبات القرب حطت رحالها في ثلاثة أماكن بالرباط تحولت هذه النقاط إلى مراكز جذب تدمج متعة القراءة بهدوء الطبيعة وعبق التاريخ، خالقة حركية ثقافية تهدف إلى إخراج المعرفة نحو الفضاءات المفتوحة ومصالحة المواطن مع الكتاب، وهي: حديقة “نزهة حسان”، موقع “شالة” الأثري، ومنتزه “الحسن الثاني”.

وكانت وزارة الثقافة، صُممت هذه المكتبات الحضرية كفضاءات مدمجة في الحياة اليومية للسكان. في لبنة أولى ضمن خطة توسع ستشمل أحياء وفضاءات عامة أخرى، لتمكين أكبر عدد من الأشخاص من الوصول بسهولة إلى الكتب في إطار احتفالية “الرباط عاصمة عالمية للكتاب لعام 2026″، والتي تتضمن برامج في المستشفيات، المراكز الإصلاحية، دور الأيتام، المحطات، ووسائل النقل.

“دمقرطة القراءة”.. تحديات واقتراحات

فاعلون ثقافيون ومدنيون في الرباط رحبوا بهذه الخطوة. ويرى عبد المنعم الهراق، وهو كتبي وفاعل ثقافي بالعاصمة، أن إخراج الكتاب من الرفوف المغلقة يساهم بشكل مباشر في “دمقرطة القراءة” وجعل الكتاب جزءا من التفاصيل اليومية للمواطن.

ويضيف أن تحويل المرافق العامة إلى نقاط إشعاع معرفي يقلص التفاوتات الثقافية، ويعيد إحياء أدوار الحدائق والمواقع الأثرية، محولا التظاهرات الموسمية إلى سلوك مستدام يعطي مصداقية لشعار “الرباط عاصمة الأنوار وعاصمة الكتاب“، منبها إلى أن نجاح المبادرة على المدى الطويل رهين

بمراعاة الحقوق والاقتصاد الثقافي المحيط بالكتاب. ومن موقعه ككتبي، يشدد على ضرورة ألا تتحول هذه الفضاءات المجانية إلى “منافسة غير متكافئة” للمكتبات المستقلة التي تعاني من أزمات هيكلية، داعيا الوزارة إلى الاعتماد في تزويد هذه المكتبات على اقتناء الإصدارات من دور النشر والمكتبات المحلية لدعم المهنيين، بدلا من الاعتماد الكلي على الهبات.

ويُرتقب في الأشهر القليلة المقبلة أن تتضاعف مبادرات القراءة خارج الأسوار، حيث يُنتظر إطلاق مكتبات مماثلة في “حديقة التجارب العجيبة” وفي محطات الترامواي، لتترجم رؤية طموحة تجعل الكتاب في الرباط في متناول الجميع، متاحا في كل مكان.

احتفاء الرباط بالكتاب في عامها العالمي…

على إيقاع تتويج مدينة الرباط من طرف اليونسكو واختيارها عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026، يشكل حسب ممثل اليونسكو، اعترافاً دولياً بمكانة المغرب كفاعل في الصناعات الثقافية والإبداعية، حيث تسعى الدورة إلى ترسيخ القراءة كجزء من الحياة اليومية، في واقعة تؤكد التحول العميق الذي يشهده سياق المشهد الثقافي المغربي، مع تركيز خاص على فئة الشباب والقراء الناشئين.

الرهان اليوم هو أن تتحول الرباط إلى منصة للحوار الفكري وأن يخرج الكتاب من رفوف المكتبات إلى الفضاءات العامة والحدائق والمقاهي والساحات ليصبح جزءاً من مشهدها اليومي، كما هو رهان اقتصادي بامتياز من خلال دعم الصناعات الإبداعية المرتبطة بالنشر والرقمنة وفتح آفاق جديدة أمام الشباب في قطاع ثقافي منتج.

بهذا المعنى تقدم الرباط نموذجاً لمدينة تؤمن بأن الثقافة ليست ديكورا للزينة بل خياراً استراتيجياً يوصل صدى عاصمة الكتاب وإشعاعه إلى كل بيت ويرسخ مشروع مغرب المعرفة كحقيقة معاشة.

وبتعبير محمد المهدي بنسعيد، فإن حدث تكريم مكتبات كتب مستعملة تجعل من رائحة الورق ذاكرة جماعية لأجيال من الطلبة والمثقفين وتتويج الفائزين بجائزة المغرب للكتاب 2025.. هو اعتراف بدورهم

 في نشر الثقافة خارج المؤسسات وفي ترسيخ علاقة المغاربة بالكتاب ليجسد “انتصاراً للمعرفة”، مبرزاً أن الرؤية الملكية تسعى إلى جعل وأن تكون الثقافة حقاً مشاعاً، عبر دمقرطة الولوج إلى الكتاب وإخراج القراءة من الفضاءات المغلقة إلى المجال العام.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *