آخر الأخبار

هل ستركب اسبانيا قطار التحرير التدريجي للجيوب المحتلة بنقل مليلية بداية إلى السيادة المغربية؟

1 سبتمبر 2026
A+
A-

التهامي بنعزوز

نعم لاعتماد المغرب آلية الحوار المنتج القائم على الندية والاحترام سبيلا لإيجاد صيغة مشتركة لحل إشكال الاحتلال الاسباني لمدينتي سبتة ومليلية و…على أساس أن يقوم ذلك على مبدأين اثنين:

أولهما – استعمال منطق التدرج في سعي المغرب لتحرير مدينتيه السليبتن تأسيسا على مسار النضال الطويل الممتدة مراحله بين عامي 1956 و1979، وفق محطات زمنية قادت إلى تحقيق استقلالنا التدريجي وتصفية تدريجية للاستعمار الفرنسي والإسباني، حيث سار قطار تحريرها واستكمال وحدتها الترابية بشكل تدريجي:

  1. توقيع التصريح المشترك بباريس في 2 مارس 1956، اعترفت فرنسا بموجبه رسميًا بـ استقلال المغرب في منطقة النفوذ الفرنسية (وسط البلاد).
  2. توقّيع السلطان محمد الخامس اتفاقية مع الحكومة الإسبانية في 7 أبريل 1956.أدت إلى إنهاء الحماية الإسبانية في منطقة الشمال (المنطقة الخليفية).
  3. استرجاع منطقة طنجة الدولية: فقد أُلغي مؤتمر دولي أواخر أكتوبر 1956 الوضع الدولي لمدينة طنجة التي عادت بالكامل إلى السيادة والتراب المغربي.
  4. استعادة الأقاليم الجنوبية (1958 – 1979) حيث واصل المغرب تحرير بقية أراضيه الجنوبية المحتلة عبر محطات تفاوضية سلمية تمثلت في: استرجاع إقليم طرفاية سنة 1958بعد مفاوضات شاقة مع إسبانيا. واستعادة مدينة سيدي إفني سنة 1969 وإنهاء الوجود الإسباني بها.
  5. ثم استرجاع إقليم الساقية الحمراء عقب تنظيم المسيرة الخضراء وتوقيع اتفاقية مدريد سنة 1975.
  6. وأخيرا استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979وتقديم سكان الداخلة بيعة الولاء للملك الحسن الثاني.

وإذا كانت اسبانيا قد انساقت امام أطروحة استقلال إقليم طرفاية ومدينة سيدي إفني بعدها بسنة ثم استرجاع إقليمي الساقية الحمراء ووادي الذهب، فإن عليها أن تنساق بالمثل إلى التوقف عن احتلال سبتة ومليلية ومعهما الجزر الأخرى المحتلة والتي تشكل موضوع مطالبة آنية باستردادها للمغرب..

وتتمثل الخطوة الأكثر عقلانية وشجاعة في إقدام إسبانيا على طي هذه الصفحة الاستعمارية والتصرف على النحو الصواب وإعادة هذه الأراضي إلى المغرب، مما سيفتح الباب أمام شراكة استراتيجية حقيقية ومتوازنة بين ضفتي المتوسط، بعيدا عن الحواجز والمراقبة الأمنية والتصعيد السياسي كحل يستنزف الاستقرار الإقليمي.

 ويبدو في هذا الصدد أن التصور الذي عرضه ملك اسبانيا السابق خوان كارلوس في مذكراته “المصالحة”، التي نُشرت عام 2025، متناولا فيها بشكل خاص أحاديث خاصة مع الملك الراحل الحسن الثاني حول قضايا حساسة في العلاقات المغربية الإسبانية، بدءًا بمسألة سبتة ومليلية، التي عبر بإزائهما عن استعداد إسبانيا للتنازل عن مليلية، ما يشكل خارطة طريق تكاد تكون مثالية.. ذات الوثيقة توضح أن الملك الإسباني “كان يعتقد أنه يمكن التنازل عن مليلية للمغرب في وقت قصير نسبيًا، نظرًا لأن عدد الإسبان المقيمين فيها لم يتجاوز 10 آلاف نسمة. مقراّ في تصرّيح له، خلال اجتماع عام 1979 في قصر زارزويلا مع السيناتور والدبلوماسي الأمريكي إد موسكي – الذي أوفده الرئيس جيمي كارتر في جولة أوروبية مخصصة لإجراء مناقشات سرية مع قادة إقليميين حول التحديات المشتركة الرئيسية التي تواجه أوروبا والولايات المتحدة آنذاك، بأن إعادة مليلية إلى المغرب قد تُثير استياءً داخل الجيش الإسباني، مشيرا إلى أنه لا يستبعد حدوث احتجاجات، معربًا عن قناعته بأن قلق جنرالاته لن يدوم سوى شهرين، وأنه سيكون قادرًا على السيطرة على الوضع.

أما فيما يتعلق بسبتة، فقد اعتبر ملك إسبانيا السابق أي عملية نقل لها سيكون أكثر تعقيدًا. كان عدد سكان المدينة آنذاك حوالي 60 ألف إسباني، وهو عدد كبير جدًا، في رأيه، بحيث لا يمكن ببساطة النظر في نقلها إلى السيادة المغربية. ورأى أن الحل الأمثل ربما يكون وضعًا مشابهًا لوضع طنجة بين عامي 1923 و1956، حين كانت تُدار من قِبل لجنة تضم عدة دول أوروبية بينها إسبانيا.

ثانيهما: الحرص على ضمان اعتراف أمريكي رسمي بمغربية سبتة ومليلية الذي أعادت الولايات المتحدة إثارته على غرار اعترافها بمغربية الصحراء، وذلك انطلاقا من البرقية الدبلوماسية السرية التي أرسلتها السفارة الأمريكية في مدريد إلى وزارة الخارجية الأمريكية، المشار إليها أعلاه، والتي رُفعت عنها السرية عام 2014، وانطلاقا أيضا من الخرجات الإعلامية للسيناتور الأمريكي مايكل روبين، مستشار البانتاغون السابق التي قال فيها أنه من الواجب على أمريكا تصحيح خطأ تاريخي آخر والاعتراف بسبتة ومليلية كأراضٍ مغربية محتلة، كما أقدم على نشر مقال يدعو فيه إسبانيا إلى إنهاء استعمار المدينتين، ما أثار جدلا واسعا في الصحافة اليمينية الإسبانية، وصولا إلى تقرير في الكونغرس الأمريكي، كشفت صحيفة “ال كونفيدينسال” مضمونه، اعتبر فيه أن سبتة ومليلية “جيبان لا يزالان موضوعا للمطالبة التاريخية للمغرب. فضلا عن التقرير الصادر عن لجنة الاعتمادات في مجلس النواب بالكونغرس الذي عبر أيضا عن دعم لجنة الوساطة الأمريكية بين المغرب وإسبانيا بشأن مستقبل سبتة ومليلية. مذكرا بإعلان ماريو دياز-بالارت، نائب رئيس لجنة الاعتمادات، لصحيفة “الإل إسبانيول” بأن المدينتين تقعان في المغرب وليس خارجه.

مذكرات “المصالحة” لملك اسبانيا السابق خوان كارلوسن تحيلنا أيضا على التنبؤات التي أفصح له بها ملك المغرب الراحل الحسن الثاني الذي قادته حكمته وبعد نظره إلى الاعتقاد بأن قضية سبتة ومليلية لن تُحل خلال فترة حكمه وأنها ستُترك للجيل القادم، معتبرا الأمر مسألةً مؤجلةً إلى “الجيل القادم”، أي الجيل الذي سيحكم فيه المغرب الملك محمد السادس وارث عرش والده المنعم عام 1999، وهو ما اعتبره المتتبعون وصية تكليف ما فتئ راعي الوحدة الترابية للمملكة يوليها أولوية متزايدة لا تقل أهمية عن جهوده المرتبطة بإنهاء النزاع المفتعل المتعلق بقضية الصحراء المغربية وما قطعته من أشواط ونجاحات دبلوماسية واعترافات متعاظمة، في نموذج فريد للدبلوماسية الهادئة.

لكل ذلك يقتضي التعاطي مع قضية سبتة ومليلية اتخاذ مبادرات واستراتيجيات خلاقة تقدم لنا مراحل تحقيق الاستقلال التدريجي للمغرب أفضل الضمانات على نجاعتها، وفي مقدمتها الدعوة لمؤتمر دولي تحضره الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، اسبانيا، بريطانيا، البرتغال والمفوضية الأروبية، على أساس إعداد ملف دراسي متكامل من الناحية التاريخية والتقنية على الخصوص، لأنه لا يمكن لاسبانيا ولا لغيرها فرض احتلالها لجزء من سلسلة جبلية هي جبال الريف المغربية في شمال غرب المملكة والقارة الإفريقية بمحاذاة ساحل البحر الأبيض المتوسط، كما لا يمكن للمغرب ولا لغيره بسط هيمنته على جبال جنوب وجنوب شرق إسبانيا (النطاق الجبلي البايتي بخليج قادس غرباً ومقاطعة فالنسيا وجزر البليار شرقاً، مثل سلسلة جبال سيررا دي ترامونتانا في مايوركا).

إن “موقف المغرب الذي آثر دائما مسار الحوار المبني على اتفاقيات حسن الجوار والشراكة المتبادلة وطرح قائم على التفاوض وليس المواجهة وهو ما بات يحظى باعتراف دولي متصاعد، بدلا من الانجرار نحو لغة التصعيد التي تُغلق الأبواب وتُضيّع الفرص، يُجسّد النهج المغربي الثابت في ملف استرجاع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية ومعها الجزر المحتلة الأخرى”.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *