كيف يحمل النباش دنياه على ظهره؟
ستعرفهم حين غدوهم وروحانهم أو جلوسهم على الرصيف بملابسهم الرثة وأجسادهم الهزيلة، رؤوسهم تكاد تسقط داخل صناديق القمامة بحثًا عن صيد ما، وأيضا وهم يمارسون عملهم مادين أبصارهم وأياديهم، أعين النباشين تلتقط قبل أيديهم ما لا نلقي له بالًا.. زجاجات المياه، وكُسَر العيش، وعلب “الكانز” والكاشر والكسكس باللبن والزبادي الفارغة..

ستعرفهم أيضًا من خلال ما يحملونه على ظهورهم من أكياس كبيرة متسخة بها ما يجمعونه من الشوارع والحارات تحني ظهورهم وترخي عيونهم إلى الأسفل. يجرون أقدامهم جرًا من رصيف إلى رصيف، ومن صندوق زبالة إلى آخر.
يهتم نباشو القمامة بجمع النفايات والمواد القابلة لإعادة الاستخدام، بينها ما هو خطر كالنفايات العضوية والنفايات المعدنية السائلة ونصف السائلة لبيعها أو للاستهلاك الشخصي، كما يقومون بجمع المواد التي يستغني عنها الأخرون مثل البلاستيك، الورق، والمعادن من حاويات القمامة، ما يتسبب في تلويث الهواء عبر حرق النفايات، ونشر الأمراض والحشرات، ويعرضهم بالتبع لمخاطر صحية وبيئية، حيث يمثلون جزءاً غير رسمي من إدارة النفايات.
جامعو النفايات أو ما يُعرفون شعبيًا بـ «النباشين”، يحملون دنياهم على أكتافهم بظهور محنية من ثقل الأيام ومطاردات السلطات والأمراض. لكنهم ينافسون في الأخير الأنشطة المدرة للدخل من خلال تحويل النفايات إلى أموال.
على مقهى متهالك، تحدث فتحي إبراهيم، وهو أحد “النباشين وإلى جواره أشباح أخرى تبدو في هيئته، قادمين جميعًا من عمق المأساة بقوله: “إما نقدو نفسنا بالنبش في الحاويات أو نمشيو للحبس بتهمة التسول”. اليوم، نرى “نباشين” في كل شارع وحارة، قبل أن يضيف: “كل شارع فيه 5 أو 6 منا “، كما يذكر إبراهيم.
ميلودة ونعيمة اللتان أخذ الدهر منهما كل مأخذ تأتيان هنا للاستراحة من تعب وشقاء يومي متواصل: “تعبنا من اللف والبحث المضني يمكن نلقاو اللي ينفع نجمعه، يمكن نكبو الما على كرشنا“.
“مجلس أعمارة” يقترح حزمة اجراءات لمواجهة هدر المواد الغذائية
دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى وضع استراتيجية وطنية مستقبلية كإطار شامل لموضوع التغذية للحد من ضياع وهدر المواد الغذائية وتعزيز السيادة والأمن الغذائيين، وبالتالي الحفاظ على الموارد الطبيعية، وترشيد واردات المواد والمُدخلات الغذائية، فضلاً عن النهوض بنموذج غذائي أكثر استدامة وعدالة اجتماعية وقدرة على الصمود، مراعيةً ايضا لأنماط الاستهلاك لدى المواطنات والمواطنين، جراء تفاقم هذه الظاهرة في المغرب.
أرقام صادمة.. المغاربة يرمون 40 مليون قطعة خبز يوميا ويهدرون 4.2 ملايين طن من الغذاء سنويا
وكشف المجلس، في سياق تفاقم ظاهرة الهدر الغذائي في المغرب، أن المغاربة يهدرون 4.2 ملايين طن من الأغذية سنويا، على رأسها الخبز تنتهي سنويا في القمامة، بواقع رمي 40 مليون قطعة خبز يوميا،كما يتم رمي 40 مليون قطعة خبز يوميا في وقت يبلغ الاستهلاك الوطني من القمح أربعة أضعاف المتوسط العالمي.
ووفق معطيات المجلس، فإن نصيب الفرد من هذا الهدر يصل إلى حوالي 113 كيلوغراما سنويا، بعدما كان في حدود 91 كيلوغراما سنة 2021.
ولا يقتصر الهدر الغذائي على الخبز وحده، إذ تسجل عدة سلاسل غذائية معدلات ضياع مرتفعة، حيث تتراوح نسبة الهدر في الحبوب بين 15 و20 في المئة، بينما تتراوح نسبة ضياع الفواكه والخضر بين 20 و40 في المئة في السوق المحلية، مقابل 3 إلى 5 في المئة فقط على مستوى الصادرات.
وأظهرت نتائج “الاستشارة المواطنة” أن أكثر المنتجات تعرضا للهدر هي المنتجات المعلبة بنسبة 36 في المئة، تليها الوجبات الجاهزة بنسبة 35 في المئة، ثم المنتجات الطازجة بنسبة 23 في المئة.
وقال رئيس المجلس، عبد القادر أعمارة، إن ظاهرة ضياع وهدر المواد الغذائية يمكن ملاحظتها على امتداد مراحل سلسلة القيمة الغذائية، إذ تسجل بعض السلاسل في المراحل الأولى، المرتبطة بالإنتاج والحصاد والتخزين والنقل، سيما الفواكه والخضر والحبوب، نسبة ضياع تتراوح ما بين 20 و40 في المئة، فيما ترتبط المراحل اللاحقة أساسا باستعمال ممارسات تجارية واستهلاكية غير معقلنة ، من قبيل الشراء المفرط، أو ضعف الإلمام بأساليب حفظ المنتجات، فضلاً عن محدودية تثمين السلع التي لم يتم بيعها.
وأكد أعمارة أن الضياع والهدر تترتب عنهما كلفة اقتصادية مهمة يتحملها المنتجون والموزعون، وقد تنعكس بدورها على وفرة المواد الغذائية وتزيد من هشاشة الفئات ذات الدخل المحدود، مضيفا أنها تُفاقم الضغط على الموارد الطبيعية، وهناك تقديرات تشير إلى أن 1,6 مليار متر مكعب من المياه يتم تعبئتها سنويا لإنتاج مواد غذائية لا تبلغ مرحلة الاستهلاك النهائي، يُضاف إلى ذلك ما يترتب عن تحلل النفايات الغذائية من تلوث وانبعاثات للغازات الدفيئة”.
وشدد على أن غياب إطار قانوني خاص وعدم بلورة رؤية وطنية منسجمة وآليات تتبع مهيكلة، يحد من نجاعة التدابير المعتمدة، ولا يتيح تقديم استجابة مندمجة ترقى إلى مستوى الرهانات المطروحة. واقترح المجلس مجموعة من التوجهات والإجراءات، على رأسها إعداد قانون خاص بمكافحة ضياع وهدر المواد الغذائية، يهدف إلى منع إتلاف أو التخلص من المواد الغذائية التي لم يتم بيعها، وتيسير إعادة توزيعها من خلال التبرع بها للجمعيات ودور الأيتام وبنوك التغذية، وتشجيع جني وجمع وتسويق المنتجات الفلاحية ذات الجودة المتوسطة.
ودعا أيضا إلى إرساء آلية للحكامة متعددة الأطراف، تجمع بين القطاعات الحكومية المعنية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، بهدف تنسيق التدخلات وضمان إلتقائية الجهود الموجهة للحدّ من ضياع وهدر المواد الغذائية على جميع المستويات.
ويقترح المجلس الاقتصادي أيضا إحداث مرصد وطني لضياع وهدر المواد الغذائية يتولى جمع وتوحيد المعطيات، وإنتاج المؤشرات، وإعداد المذكرات التحليلية، واقتراح التدابير التصحيحية الملائمة للخصوصيات المحلية.
وحثّ على إدماج أهداف الحدّ من ضياع وهدر المواد الغذائية في مختلف السياسات العمومية القطاعية ذات الصلة، سيما على مستوى المرافق العمومية التي تقدم خدمات الإطعام كالمستشفيات والمدارس ومراكز الرعاية الاجتماعية والمؤسسات السجنية.
وطالب أيضا بتطوير بنيات تحتية ملائمة خاصة بالتخزين والنقل في المناطق ذات الإمكانات الفلاحية العالية، عبر توفير منشآت تخزين عازلة للعوامل الخارجية، ومستودعات تبريد تعمل بالطاقة الشمسية، بما يضمن إطالة مدة حفظ المنتجات القابلة للتلف. كما دعا إلى مواكبة المقاولات وتحفيزها على إدماج إعادة التدوير وإعادة الاستعمال ضمن عمليات الإنتاج والتوزيع.
ومن بين التوصيات أيضا، تشجيع المقاولات الفاعلة في مختلف حلقات السلسلة الغذائية على التبرع العيني بالفوائض والمنتجات الغذائية المعرضة للضياع أو الهدر، طبقا لمقتضيات المدونة العامة للضرائب (المادة 10-ب-2) التي تتيح للمقاولات خصم تكاليف الهبات، بما فيها العينية، المقدَّمة لفائدة الجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة.

ودعا رأي المجلس إلى تطوير تطبيقات رقمية مخصّصة لتدبير المخزون، وتتبّع مسار المنتجات، وإعادة توزيع السلع التي تعذر بيعها، وتوجيهها لفائدة شبكات التضامن والعمل الخيري، ودعم الحلول المواطِنة للحد من الهدر الغذائي، من قبيل الثلاجات التضامنية وتطبيقات التبرع بالمواد الغذائية، بما يعزّز المبادرات المحلية ذات الأثر الاجتماعي الإيجابي.
دخول فعاليات حقوقية على الخط
ورغم انتشارهم، يوضح بعض الحقوقيين أن “النباشين غير مدرجين من الأساس حتى في قانون العمالة غير المنتظمة «، محبذا في هذا الصدد تجمعهم في تنظيمات محلية خاصة لكي يضمنوا الحصول على حقوقهم الاجتماعية والصحية كنباشين، بتنسيق ووصاية وزارة البيئة عليهم لدى شركات تدوير المخلفات الخصوصية، حينها فقط، يُمكن إدراجهم تحت قانون العمل، وبالتالي تصبح لهم تأمينات اجتماعية وصحية”، الأمر الذي لا يحدث أبدًا.
مواصلة الجهود بالتعاون مع الجهات المعنية لإقامة صناعة وطنية ومشاريع لإدارة المخلفات، خاصةً منها إعادة تدوير المخلفات الزراعية لإنتاج العلف والبوطاكاز، وتحويل النفايات البلدية الصلبة إلى وقود مشتق من النفايات، وكذا إعادة تدوير إطارات الكاوتشو ، وتوفير فرص عمل جديدة ودعم القطاع الخاص وإشراكه في منظومة متكاملة، من أجل تحقيق أعلى عائد بيئي واقتصادي مستدام.
