مغارب نيوز – التهامي بنعزوز
تواجه السياسة السكنية في المغرب التي تعتبر جزءًا أساسيًا من التنمية الاجتماعية والاقتصادية، تحديات كبيرة في ظل أزمة كراء متفاقمة تشمل ارتفاع أسعار الكراء، وتزايد الطلب على المساكن، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على سكن لائق بأسعار معقولة، خاصة للطلبة والأسر ذات الدخل المحدود . ففي ظل موجة غلاء طاحنة لم تستثنِ مجالاً من مجالات الحياة اليومية، أصبح كراء السكن في المغرب معضلة اجتماعية حقيقية، تثقل كاهل الأسر محدودة الدخل، وتدفع الشباب والطلبة والعائلات الصغيرة إلى حافة العجز وعدم الرضى.
تفنن “سماسرة الظل” في رفع كلفة الكراء ..
حال بعض سماسرة الكراء أصبح لا يختلف عن أشكال الوساطة الأخرى من قبيل المرشدين السياحيين المزورين وسماسرة أكباش عيد الأضحى .. يكفي أن يكون لديك بورطابل تحفظ فيه أرقام هواتف حراس العمارات ( الكونسيرجات ) الذين يلعبون دور وسطاء يعرفون بكرسي يضعونه بباب العمارة ، وحراس السيارات الذين تكون لهم دراية بحركة خروج الأمتعة والرحيل، وأن تختار لك مقهى يكون لك بمثابة مكتب غير قار تستقبل فيه الباحثين عن كراء، لتكون سمسارا .. من هنا تنطلق دورة الدخول في سلسلة ربط الاتصال هاتفيا بحارس عمارة ما لاستفساره عما إذا كانت لديه شقة شاغرة ( استوديو أو كارسونيير أو غرفتين ..) يعرضها مالكها للكراء، وفي حالة الرد بالإيجاب مع تقديم وصف لمرافقها والطابق الذي تقع فيه ، حيث يسأله بحضور الراغبين ، عن سومة كرائها التي لا تقل في حي مثل حي أكدال بالرباط عن 4000 درهم فأكثر، لينتقل الجميع لزيارتها ومعاينتها في محاولة قد تنجح عندما تتوفر للمكتري الشروط والضمانات التي يركز عليها ملاك الشقق ، بينها أن يكون موظفا وله رقم تأجير ، مع إعطاء الأولوية للطالبات اللواتي ينتظمن في الأداء كما تقتصر مدة كرائهن في الغالب على استكمال سنتهن الدراسية بإحدى الكليات والجامعات القريبة، ما يحيل على كرائها بسومة جديدة ، في هذه الحالة يتم الاتفاق على المرور لمرحلة إبرام عقد كراء على أساس أداء شهرين ( شهر مقدم وآخر مؤجل قابل للاسترجاع حين إفراغ العين المكراة ) فضلا عن مبلغ ألف درهم مرصود للتماطل في الإيفاء بتسوية فاتورة الماء والكهرباء وكذا تعويض السنديك ، ليقارب الرقم العشرة آلاف درهم.. متطلبات المكتري لا تقف عند هذا الحد ما لم يأخذ السمسار عمولته وأتعابه (! ؟ ..) التي لا تقل عن ألف درهم أو 1500 درهم مقابل ألف درهم أخرى للكونسييرج الذي يعود له فضل إيجاد شقة شاغرة للكراء بالنظر للأزمة الحادة القائمة على مستوى ضغط الطلب ونقص العرض في ظل قرار هدم وإخلاء مئات السكان من مساكنهم، وإذا لم يتجاوب مع هذا السقف المرتفع لصاحبنا السمسار فإن قاموسا من الهمز واللمز سيكون له بالمرصاد .. وفي حال فشل الصفقة يطالب السمسار برسم ” الفيزيتا ” كي لا يخرج خاوي الوفاض ويتراوح بين 5 و100 درهم .
أزمة السكن الخانقة تقرع أبواب الفقراء والطبقة المتوسطة
إلى متى ستظل أسعار الكراء في المغرب بلا سقف قانوني؟ وأين هو الحق في السكن الكريم الذي يكفله الدستور لكل مواطن؟ وهل من المعقول أن يُترك سوق الكراء في يد المضاربين والجشعين دون رقيب أو ضابط؟ ، الأسئلة نفسها تطرح بإلحاح ، فبين راتب لا يتجاوز ثلاثة آلاف درهم، وكراء يتجاوز في بعض المدن خمسة آلاف درهم ، يكبر جحيم المعاناة وتكثر إشكالاتها ..
لقد أصبح من غير المقبول أن يتحدث البعض عن الاستثمار العقاري تحت وطأة إغفال الواقع المرير لعشرات الآلاف من الأسر التي تعاني كل شهر من عبء دفع واجب الكراء، والتي تعيش تحت رحمة أصحاب الشقق الذين يرفعون الأسعار كما يشاؤون، مستغلين ضعف العرض وغياب المراقبة القانونية.
ففي مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء وطنجة، أصبحت كلفة كراء شقة متوسطة الحجم تقارب نصف راتب الموظف، بل أحياناً تزيد عنه، وهو ما يجعل الحصول على سكن في متناول الطبقة المتوسطة أمراً شبه مستحيل.
وحين يصبح كراء بيت من غرفتين بستة آلاف درهم، فذلك يعني أن المجتمع يتجه نحو الانفجار الاجتماعي، وأن الهوة بين الطبقات تُصبح خطيرة وغير قابلة للجسر.
فقد تراجعت نسبة مهمة من المواطنين عن تأجير ممتلكاتهم، خشية الدخول في دوامة النزاعات الطويلة، وغياب وسائل سريعة لتحصيل واجبات الكراء أو إفراغ الشقق المحتلة.

إلى ذلك دعت جمعيات حماية المستهلك بالمغرب إلى “تحرير المواطنين من قبضة بعض ممارسات سماسرة الكراء الذين يفرضون عمولات مرتفعة بشكل غير مبرر، تصل أحيانا إلى 100 بالمائة من قيمة السومة الكرائية، خاصة في مدن كبرى كالعاصمة الرباط” .
بحثا عن وضع تنظيمي لتأطير مهنة السمسرة
الجمعيات عينها قالت في سياق إشكالات سوق كراء سكن في الصيف على الخصوص أن “المزيد من التنظيم لا يلغي حرية الأسعار ولا يتدخل فيها، كما لا يُقصي المهنيين من مزاولة نشاطهم، لكن وفق ضوابط قانونية تقوم على تشجيع المنافسة الشفافة والحدّ من أشكال التواطؤ والتنسيق المبطن، ذلك أن تقنين ثمن الكراء لا يعني تقييد الاستثمار أو مصادرة حقوق المالكين، بل هو إجراء تنظيمي يهدف إلى منع الفوضى والاحتكار.
إذ يمكن الاستناد في هذا المجال إلى التجربة الفرنسية النموذجية في ضبط السوق وتعزيز ثقة المواطنين فيها، مشدّدة على “ضرورة تكريس الوضع التنظيمي لتأطير مهنة السمسرة بشكل عادل ومنصف يحمي حقوق المستهلك، وذلك على خلفية وجود شكايات متكررة للمواطنين يجد فيها المستهلك نفسه أمام شروط مجحفة وغياب تام لأي آليات رسمية للرقابة والمواكبة”.
أحمد بيوض، الرئيس المؤسس لجمعية “مع المستهلكين”، جمعيات حماية المستهلك ، دعا بهذا الخصوص إلى تبنّي مطلب تنظيم هذه المهنة استكمالا لتنظيم مهنة الوكيل العقاري، خاصة فيما يتعلق بسوق الكراء الذي يمسّ فئات واسعة من الطبقة المتوسطة والفئات الهشّة، ما يؤدي إلى اختلال كبير في التوازن بين العرض والطلب ، حيث يجد الباحث عن الكراء نفسه بإزاء أسعار وعمولات مرتفعة . مؤكّدا أن “تحديد السعر يجب أن يخضع لطبيعة الخدمة والجهد الذي بُذل في البحث عن السكن إلى جانب الراغب في الكراء، شريطة أن يكون ذلك واضحا ومعروفا بشكل مسبق، وليس عشوائيا ، مما يخلق انطباعا واضحا لدى المستهلك بوجود تواطؤ يدفع المستهلك إلى القبول بشروط غير منصفة.
وقال: “المطلوب اليوم هو تمكين المواطن من أداء مقابل لخدمة يشعر بالرضا عنها، لا أن يجبر على دفع عمولة لا تتناسب مع القيمة الحقيقية للخدمة، في وضع يشعره وكأنه تعرض للنصب في دولة تسعى لترسيخ الشفافية والعدالة في السوق ”.
كما أن غياب قوانين صارمة في هذا المجال يجعل من الكراء فوضى حقيقية، حيث لا توجد عقود رسمية في كثير من الحالات، ويتم استغلال الحاجة الماسة للمواطنين، خصوصاً الطلبة، والمهاجرين، والعائلات القادمة من البوادي. والأخطر من ذلك، أن بعض المالكين يفرضون شروطاً تعجيزية: ثلاثة أشهر مسبقة، وشهر كضمان، عقود غير مصادق عليها، وتهديد دائم بالطرد في حال عدم الأداء في الوقت.
إذا كان مفهوم السوق الحرة مقبولاً في بعض القطاعات، فإن السكن لا يمكن أن يُترك لقانون العرض والطلب وحده، لأنه ليس سلعة ترفيهية أو كمالية، بل حاجة أساسية لا غنى عنها.
والدولة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالتدخل العاجل من أجل تنظيم هذه المهنة بشكل يضمن احترام مبدأ المنافسة الحرة ويمنع الاحتكار أو التفاهم الضمني الملتوي.
فكما تُقنن أسعار الماء والكهرباء والدقيق والأدوية، يجب أيضاً تقنين الكراء، ويُخضع لمنطق التوازن بين حق المالك في الربح، وحق المواطن في العيش الكريم.
ويُمكن للدولة أن تتدخل عبر آلية قانونية واضحة تُحدد سقف الكراء حسب المدينة، والحي، ومساحة السكن، وجودته. فمثلاً، لا يعقل أن تُكرى شقة من 70 مترًا بمبلغ يفوق 4000 درهم في حي شعبي، دون مصعد أو مرآب، بينما في بلدان أخرى أكثر تطوراً، يدفع المواطنون نصف هذا المبلغ، ويستفيدون من خدمات محترمة وعقود واضحة.
ولعل المتضرر الأكبر من هذا الارتفاع الجنوني في الكراء هم الشباب الراغبون في الزواج والاستقرار، إذ بات حلم تكوين أسرة يصطدم بعقبة كراء بيت بسيط. كثيرون منهم يلجأون إلى السكن المشترك أو غرف فوق السطوح، أو البقاء في كنف الأسرة حتى سن متأخرة، فقط لأن كلفة السكن أصبحت فوق طاقتهم. وهذا الوضع يُعزز أزمة الزواج، ويُكرس العزوف، ويؤثر على النسيج الاجتماعي برمته.
من جهة أخرى، يتسبب ارتفاع الكراء أيضاً في عرقلة الانتقال الجغرافي من منطقة لأخرى ، حسب التعيين الوظيفي / المهني، إذ يرفض الكثير من الشباب عروض شغل في مدن أخرى بسبب عدم القدرة على تحمل نفقات السكن.
لقد حان الوقت أكثر من أي وقت مضى، لتدخل الدولة عبر وزارة السكن والتعمير ومجالس المدن، لوضع قانون واضح وشامل لتقنين أسعار الكراء، مع خلق بوابة إلكترونية وطنية توضح الأسعار الرسمية حسب المناطق، وتفرض تسجيل كل عقد كراء بشكل رقمي وشفاف.
كما ينبغي تحفيز بناء مساكن للكراء بأسعار اجتماعية، ومنح إعفاءات ضريبية لمن يُسهم في كراء سكن اقتصادي للشباب والأسر محدودة الدخل.
حق الكراء يجب أن يُصبح في متناول الجميع
السكن ليس رفاهية، بل حق. والكراء يجب أن يُصبح في متناول الجميع، لا حكراً على الأغنياء وأصحاب العقارات.
ففي ظل الارتفاع المقلق لأسعار الكراء والعقار في المغرب، عاد ملف “الكراء المدني” إلى الواجهة من بوابة السياسة العمومية، بعدما أعلن كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، عن مشروع قانون جديد يسعى إلى تنظيم العلاقة بين المالك والمكتري، وإعادة الثقة في سوق الإيجار، التي تعاني اختلالات هيكلية منذ سنوات.
مشروع القانون
يتضمن إجراءات جذرية، وفق ما كشف عنه كاتب الدولة المكلف بالإسكان، أديب بن إبراهيم، من أبرزها:
- إطلاق برنامج جهوي لدعم الإيجار، يتم عبر شركات جهوية تعمد إلى بناء أو اقتناء أو تجديد مساكن، ومن ثم تأجيرها بأسعار تفضيلية.
بكلمات أخرى، الحكومة لا تسعى فقط إلى تنظيم العلاقة القانونية، بل إلى خلق سوق موازية مدعومة تنافس سوق الإيجارات المرتفعة، وتفتح الباب أمام فئات واسعة من الشباب والعائلات محدودة الدخل.
المصدر : https://magharebnews.net/?p=20499




